صرحٌ معماري احتضن نخبة مصر في القرن العشرين
في قلب القاهرة الخديوية، حيث تتلاقى شوارع وسط البلد النابضة بالحياة، تقف عمارة الإيموبيليا شامخة كنصب تاريخي يروي حكايات العصر الذهبي لمصر. تُعد هذه العمارة، الواقعة عند تقاطع شارعي شريف وقصر النيل، واحدة من أعرق وأضخم المباني السكنية في العاصمة المصرية، بل وأول ناطحة سحاب في القاهرة. يُطلق عليها البعض “هرم مصر الرابع” لما تتمتع به من تصميم معماري فريد وأهمية تاريخية وثقافية جعلتها شاهدة على تحولات المجتمع المصري خلال القرن العشرين.
بدأت قصة عمارة الإيموبيليا في أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين، عندما قرر المليونير المصري أحمد عبود باشا، أحد أثرياء مصر آنذاك، تشييد مبنى سكني يعكس الرفاهية والحداثة. صُممت العمارة على يد المهندسين المعماريين ماكس إذرعي وجاستون روسي، وانطلقت أعمال البناء في 30 أبريل 1938 لتُكتمل في عام 1940 بتكلفة بلغت مليونًا و200 ألف جنيه مصري، وهو رقم ضخم بمقاييس تلك الفترة.
تُعد الإيموبيليا أول عمارة في القاهرة تتبنى الشكل الانسيابي الحديث، متخلية عن الزخارف الكلاسيكية التقليدية التي كانت سائدة في المباني آنذاك. تبلغ مساحتها 5444 مترًا مربعًا، وتتكون من برجين: أحدهما بحري بـ11 طابقًا، والآخر قبلي بـ13 طابقًا، يضمان معًا 370 شقة سكنية. لم تكن مجرد مبنى سكني، بل كانت رمزًا للتقدم العمراني، إذ تضمنت ميزات غير مسبوقة مثل جراج تحت الأرض يتسع لـ100 سيارة، ونظام تدفئة مركزي مبتكر يعتمد على حرق النفايات لتدفئة الشقق عبر مواسير ضخمة، وهو نظام توقف لاحقًا لكنه لا يزال يثير الإعجاب بفكرته المتقدمة.

صُممت الإيموبيليا على شكل حرف “U” مع برجين متصلين، مما يمنحها أربع واجهات معمارية مميزة، وهو ما ساهم في إطلاق لقب “هرم مصر الرابع” عليها. تضم العمارة 27 مصعدًا مقسمة إلى ثلاث فئات: “بريمو” للسكان، “سوكندو” للخدم، ومصاعد مخصصة لنقل الأثاث. كما تم تصميم ثلاثة مداخل عمومية لكل برج، مما يعكس الاهتمام بتسهيل الحركة والخصوصية.
كانت الإيموبيليا رائدة في تقديم خدمات فندقية لسكانها، إذ خُصصت عربات إطفاء لغسل واجهاتها مرتين شهريًا للحفاظ على رونقها. ومع إيجارات مرتفعة تراوحت بين 6 و12 جنيهًا شهريًا حسب مساحة الشقة، كان المالك يروج لها عبر إعلانات صحفية تبرز مميزاتها، مما جعلها وجهة للنخبة المصرية والأجنبية في الأربعينيات والخمسينيات.
اشتهرت الإيموبيليا بكونها موطنًا لنخبة المجتمع المصري من فنانين، سياسيين، أدباء، ورياضيين. من بين أشهر سكانها:ليلى مراد، أنور وجدي، نجيب الريحاني، محمد فوزي، محمود المليجي، ومحمد عبد الوهاب، علي ومصطفى أمين، أحمد عبود باشا وغيرهم.

لم تكن الإيموبيليا مجرد مكان للسكن، بل كانت مسرحًا للأحداث الاجتماعية والسياسية. يُروى أن الملك فاروق زار العمارة متخفيًا، وأن شقة الممثلة كاميليا شهدت لقاءات مثيرة للجدل، مما جعل العمارة مادة خصبة للروايات والأعمال الأدبية.
مع مرور الزمن، تغيرت مكانة الإيموبيليا. في عام 1961، أُممت ممتلكات أحمد عبود باشا، بما فيها العمارة، بقرار من الرئيس جمال عبد الناصر. انتقلت ملكيتها إلى شركة الشمس للإسكان والتعمير، وهي لا تزال مملوكة لها حتى اليوم. أصيب عبود بذبحة صدرية عقب التأميم، وغادر مصر ليعيش في الخارج حتى وفاته.
بدأت العمارة تعاني من الإهمال تدريجيًا، حيث توقفت أنظمة التدفئة المركزية، وتدهورت بعض مرافقها. ومع ذلك، ظلت تحتفظ بجاذبيتها التاريخية، إذ أصبحت موطنًا لمكاتب المحامين والأطباء، مع عيادات شهيرة تستقطب الزوار حتى الآن.

في السنوات الأخيرة، ارتبطت الإيموبيليا بقصص غامضة أثارت فضول السكان المجاورين. زعم البعض أن العمارة “مسكونة بالأشباح”، مستندين إلى روايات عن جرائم أو أحداث غامضة وقعت داخل شققها. أحد السكان المجاورين، بحسب تقرير نشرته “الدستور”، ادعى أن أرواحًا تسكن المكان بسبب مقتل أشخاص في العمارة. لكن آخرين، مثل حارس عمارة مجاور، نفوا هذه الروايات، مؤكدين أنها مجرد “تخاريف”، وأن العمارة لا تزال نابضة بالحياة بفضل مكاتبها وروادها.
ألهمت هذه الأساطير أعمالاً أدبية، مثل رواية “عمارة الإيموبيليا.. جثث واختفاء” للكاتبة ندى سيد، ومسرحية “الإيموبيليا” لمينا ناصف، التي تناولت تاريخ العمارة وأسرارها كجزء من الحياة المصرية الحديثة.
رغم مرور أكثر من 80 عامًا على إنشائها، تظل الإيموبيليا رمزًا للقاهرة الخديوية. لكنها تواجه تحديات الحفاظ على تراثها المعماري وسط الإهمال وتغيرات الزمن. يطالب العديد من عشاق التراث بترميم العمارة وإعادة إحياء رونقها، خاصة أنها لا تزال تُعد واحدة من أكبر وأهم المباني في وسط البلد.

مشاركة



إرسال التعليق